نخبة من الأكاديميين
378
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
والمعرفية عموماً . إنه الخلل الحاصل نتيجة نهضة أوروبا بدءاً من القرن السادس عشر مع تحوّلات طرق المواصلات العالمية واكتشاف العالم الجديد وخروج مدن أوروبا التجارية وممالكها من حيز الصراع على حوض المتوسط إلى حيز الصراع على القارات والمحيطات وممراتها . لذا ، فإن تعابير مثل شرق وشرق أوسط أو شرق أدنى ، تبقى تعابير " مضللة " . كان هذا أيضاً رأي العالم الأميركي جورج سارتون عندما دعته مكتبة الكونغرس في عام 1956 لإلقاء محاضرة بعنوان : " إحتضان الشرق الأوسط للثقافة الغربية . لقد أبدى حينها تحفظاً على تعبير الشرق والشرق الأوسط فقال : " إن تعبير ( الشرق الأوسط ) تعبير مضلل ، فنحن دائماً شعوب شرقية بالنسبة إلى جيراننا الغربيين ، وغربيون بالمقارنة إلى الشعوب التي تعيش شرقنا . ولكننا نقبل هذا التعبير كما نقبل كلمات أخرى كثيرة على أنها بقايا من جاهليتنا الماضية " . أما الحديث عن عالم إسلامي من جهة وعالم أوروبي أو أميركي من جهة أخرى ، فيثير بدوره إشكالًا آخر من زاوية مدى صحة المقارنة واشتقاقاتها بين طرفين : الأول ينعت بالدين السائد فيه والآخر باسم جغرافيته التاريخية . ولنلاحظ أن البعض يقترح حلًّا لهذا الإشكال هو اعتماد مصطلح " العالم الإسلامي " مقابل " العالم المسيحي " . وهنا أيضاً يمكن التحفظ على تعميم المصطلح الديني في الجغرافية البشرية التي ساد فيها الإسلام ، لأن قطاعاً واسعاً من هذه الجغرافية كان مسيحياً ، بل كان قلب ومصدر المسيحية التي انتشرت لاحقاً في أوروبا وفي أمريكا ، ولأن الجغرافية البشرية الأوروبية لم تصبح مسيحية أيضاً إلا لاحقاً ، ولأن الحديث أيضاً عن " مسيحية الغرب " الحديث والمعاصر يثير معاني أشد التباساً في دلالاته ، لأن " الحداثة " الأوروبية حملت في جملة ما حملته قطيعة ما بين الديني والمدني بل وقطيعة ما بين « القروسطية » من جهة والإصلاح الديني ممثلًا بالإصلاح البروتستانتي والإصلاح الكاثوليكي المعاكس من جهة ثانية . ولهذا من المفيد التنبيه إلى أن العنوان الذي اقترحناه بصيغة شرق / غرب لا يهدف لإقامة صيغة ثنائية قائمة فعلًا ، ولكن لطرح العنوان كإشكالية معرفية . ومن هذه الزاوية بالذات استخدمنا مصطلح التثاقف ، ونعني به التبادل الثقافي أو عمليات التأثير المتبادل بين العوالم الثقافية والحضارية للدلالة على دوائر جغرافية بشرية حضارية متداخلة ، تجري في ما بينها تيارات أفكار منظورة وغير منظورة ، سطحية أو كامنة في أوقات السلم أو في أوقات الحرب . بل حتى في الحالات التي يبدو فيها مجتمع من المجتمعات أنه مغلق أو معزول أو " جامد " ، حيث إن جموده هو نوع من " كمون " يمكن تشبيهه بحال " مناطق الضغط المنخفض " المعرّضة حكماً لمناطق ضغطٍ عالٍ " . يصعب في مبحث واحد إجراء دراسة عامة تحيط بحقل التثاقف في مناطق العالم الإسلامي كلها ، بل حتى بالعديد منها . فكيف حال الإحاطة بموضوعاته وحقوله وأزمنته ؟ لذلك لجأنا إلى اختيار أنموذجين لموضوعين درسناهما تباعاً : في القسم الأول : اخترنا حقلًا من مصر ، لأن هذه الأخيرة كانت من أوائل البلدان الإسلامية التي